سيد محمد طنطاوي

300

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال - تعالى - : وكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناه طائِرَه فِي عُنُقِه ونُخْرِجُ لَه يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاه مَنْشُوراً . اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً « 1 » . * ( وإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ) * أي : قلعت وأزيلت ، وأصل الكشط إزالة جلدة الحيوان عنه . يقال : كشطت البعير كشطا ، إذا نزعت جلده منه . أي : وإذا السماء نزعت وأزيلت ، فلم تبق على هيئتها التي كانت عليها ، من إظلالها لما تحتها . * ( وإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ) * أي : أوقدت إيقادا شديدا للكفار ، والجحيم هي النار ذات الطبقات المتعددة من الوقود كالحطب وغيره ، وتسعيرها : إيقادها بشدة . * ( وإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ) * أي : قربت وأدنيت من المؤمنين ، كما في قوله - تعالى - : وأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ . من الزلفى بمعنى القرب ، يقال : تزلف فلان إلى فلان ، إذا تقرب منه . وقوله : * ( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ) * هو جواب الشرط لكل تلك الظروف السابقة . أي : إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت تبين لكل نفس ما عملته من خير أو شر ، ومن حسن أو قبيح . . ورأت ذلك رأى العين ، كما قال - تعالى - : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ، وما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وبَيْنَه أَمَداً بَعِيداً . . . والمراد بالنفس عموم الأنفس ، لأن النكرة في سياق النفي تشمل كل نفس وأسند - سبحانه - الإحضار إلى النفوس ، لأنها هي المباشرة لأعمالها في الدنيا ، والتي ستجد جزاءها في الآخرة . وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها ، حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ذكرت في الجمل الاثنتى عشرة ، لأن بعض الأزمان والأحوال التي تضمنتها هذه الشروط مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها ، كما في الستة الأخيرة ، فإنها تكون عند فصل القضاء ، وبعضها يحصل قبل ذلك بقليل ، كما في الأحوال الستة المذكورة أولا ، إلا أنه لما كان بعض هذه الأمور من مبادئ يوم القيامة ، وبعضها من روادفه ، نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع هذه الأمور كلها ، تهويلا للخطب ، وتفظيعا للأمر . وإشعارا بأن ما يسبق يوم القيامة وما يعقبه ، كل ذلك من الأهوال التي يشيب لها الولدان . وبعد أن ساق - سبحانه - ما ساق من أحوال تدل على شدائد يوم القيامة ، أتبع ذلك

--> ( 1 ) سورة الإسراء الآيتان 13 ، 14 .